حبات السكر 💜💜 وأنا اجلس على اريكتي الخشبيه ذات الوساده الناعمه ، بيدي كوب من الشاي ، أحتسيه على
مهل ، تقع امامي نافذتي ، تهب منها نسائم
عليله ، تمسح وجنتاي برقه وهدوء ، اغمض
عيناي ، اغرق في ذاكرتي ، أبحر في الحب .




فجأه ،سمعت صوت خافت جدا ، تريثت قليلا قبل أن أغادر غرفتي ، ثم خرجت ، ثلاث حبات من السكر
على عتبه البيت ، يا ترى من ألقاها؟

بحثت حول البيت علني ارى احدا ؛ ولكنني ما وجدت ، كان المكان فارغ ، كسماء مظلمه .


عدت الى غرفتي  ، انا وأفكاري ، لابد أن الليله لن تمر على خير ، نمت عن الوجود ، ولكن عقلي جال في أرجاء المكان ظل يقظا ، كطفل يلعب في أرجاء البيت ، يريد أن يحل لغزا رآه لتوه .

ظللت ثلاث ساعات على هذه الحال ، ثم أغلقت عيناي صدفه في مدى النسيان ، يا إلهي كل هذا لأجل ثلاث حبات سكر ، هههههه هههههه ضحكت ونمت.
اتى الصباح علي مشرقا مبتهجا ، فسلمت عليه بابتسامه رزينه ، وفتحت له النوافذ ، جلس على الاماكن كضيف عزيز ، لم ارد إلا أن اضيفه فنجان قهوة سرورا برؤيته . كان لطائر الكنار صوت ملائكي يرن في اذني ، كماء نقي ، ينقي سمعي ،
كأنني لا اريد ان أسمع صوت آخر بعده .

فتحت بابي الخشبي ، ذو الزخارف الملونة ، بلطف وخوف ، تنفست بعمق ، مشيت الى طريقي ، في سلام وأمان ، كنت متجهة إلى المكتبه، اريد كتبا تؤنس وحدتي ، وترشدني الى اهدافي ، لاقوى على نفسي حتى بلوغها وتحقيقها .

وانا في سيري الى الذي يشغل بال ، سرقتني طفله صغيره في منتصف الطريق  ، شهقات بكاؤها عاليه ، صرخاتها قويه تكاد تصعد إلى السماء ، بهت ، تسمرت ، اختل توازني ، من وقع دموعها ، كانت تنسكب بغزارة ، كمطر غضوب ، سرعته عاليه ، كأنه غضب من السماء . ركضت إليها مسرعه ، حضنتها بشده ، كفكفت دموعها بيدي ،
انتظرت قليلا حتى هدأت من روعها ، سألتها برفق وعمق يا حلوتي ما بك ؟ .... ظلت صامته ، ثم هربت فرارا من سؤالي . حاولت اللحاق بها . لم امسكها ، يا للهول فلتت من يدي . كان بيني وبينها سياره كبيره ، خطفت عني رؤيتها .

كانت ملامح السياره غريبه عجيبه ، سوداء قاتمه ، شبابيكها تحجب الرؤيه عن راكبيها ، طولها يساوي ثلاث سيارات الى جانب بعضها البعض .


مضت السياره مسرعه كومضه برق ، لم أدر ما أفعل ! هل أصرخ ؟  ، ولكنني لا اعلم اي شيء عن السياره ، ولا عن الفتاه ، يا ترى من كمشها كورقه الشجر ، لا يزال صوت طرق الباب حاضرا في ذهني ، لم يغب عني لفترات قليله ، كان المكان خالي ، لا يعمه الضجيج ، لا صوت سوى حفيف الشجر ، يداعب الطريق ، وريح تطير ، بمهل كثير ، وزهر عطر ، خطوات ناعمه ، تقدمت لأنسى ، ولا يخلو عقلي من قلق ، كان قلبي ينبض بشده ، كأن الفتاه ، شيء من دمي ، ولكننا جميع من اصل واحد ، نحن من بني البشر ، صورنا من تراب ، وإليها سنعود ، على نفس النشأة الاولى ، نحن نقاط متراصة في جمله واحده ، احاسيسنا مختلفه ، ولكن يجمعنا الشعور ، الشعور بالانسانيه ، ان لا نتخلى عن أصلنا ، ان نساعد بعضنا على الخير والنهوض ، على التقدم والصمود ، على الفقر والقهر . نحن صوت الارض ، نحن كلمه الحب وصرخه الوجع ، نحن كلمه واحده (انسان ).


رافقتني السلامه في ذهابي الى المكتبه ، وانا انظر الى الساعه ، كانت الساعه السابعه صباحا ، باغتني قريب لي يدرس في الجامعه الاندلسيه ، سألني عن حالي ، واين أسكن ، هل مازلت أقطن في نفس الحي  ،  أم تغيرت أحوالي ، هل ما زالت الشمس مشرقه أم خفتت أنوارها مع الازمه الحاليه  ؟

أجبته قائله : بخير والحمد لله ، نعم ما زلت أسكن نفس الحي ؛ لقد كان ابي يملك بعضا من المال  ، لذلك لم نعاني كثيرا ، والآن اخي الكبير يعمل معه في صيد الأسماك ، وانا ادرس اللغه الفرنسيه ، وانت كيف حالك  ؟ لقد مر وقت طويل على غيابك ؟ الايام تمضي سريعا .. كأننا في سباق خيل .

قال : انا بخير ، مسرورا برؤيتك ، سرح قليلا ، ثم انسكبت كلماته كماء بارد ، أثلج روحي ، شتان ما بين غربه وعيناك ، عيناك هما الوطن ، أرجوكي  اقتربي  ، لم اذق  حربا في الأندلس ، ولكني كنت فاقد لأمان صوتك ، وعبير ضحكتك ، حاولت أن انشغل عنكي لكنك كنت شاغله تفكيري ، طوال اربع سنوات  ، كنت تكبرين في عقلي ، رويدا رويدا ، وكنت أنتظر رؤيتك على احر من الجمر ، الآن صدقت رؤياي  ، رأيتك حقيقه ، يا كلمتي الاولى يا عالمي الآخر ! ، هلا اقتربت أكثر ! أود التفرس في عينيك ، هيا... تعالي الي ، هاتي يديك  ، اود السلام عليكي ، لأخمد نيراني اشتياقي ، لأسمعك كلماتي .

توردت وجنتاي خجلا  ، لم أتوقع أن يجيبني هكذا ! يا للروعه ما حل بي ؟ شعور منسجم بين الرغبه  والرهبة ، اريد التقرب ولكن أخاف ، أخاف أن يشغلني عن دراستي ، وعن حل الغازي ، العالقه  في ذهني ، بدأت دوامه الاسئله تدور وتدور  ، تهربت من الاجابه قائله : اظن اني تأخرت كثيرا ، أراك قريبا . قال لي : لا بأس  ، انها المرة الأولى بعد عودتي ، لا تقلقي ساراك كثيرا .

عدت الى بيتي ، بدأت بالدراسة على حاسوبي الصغير ، ذو اللون الروزي ، كنت اقرا عبارات محفزه قبل أن ادرس ، لأن عقلي كان سارحا ،
افكر في الألغاز وفي عاشقي الأندلسي.

كان بجانبي فنجان قهوه ، انسكب على الارض ، قبل ان أتحسس مذاقه ، لم اعبق رائحته بعد ، وحينما بدأت بمسح القهوة عن الأرض ، التفت بناظري الى الناحيه المقابله ، رأيت تماس كهربائي ، الوان براقه ، ممتزجه مع بعضها وكانها شعاع لا ينتهي ، لم تتوقف ما زالت تتوهج ، فقلت لنفسي من اين أتى التماس ، لم يسكب الماء على الحاسوب ، .. تذكرت القهوة ، تحلقت الالوان بشكل دائري في فسحه الغرفه المربعه ، كانت الالوان منسجمه مع بعضها البعض كفريق واحد ، ثم سقطت الالوان على حبات السكر ، فأومضت بها شعله براقه ، تكاد تخطف الأنظار من شده بريقها ، كبرت حبات السكر شيئا فشيئا وأصبحت حلقات كبيره واسعه ، مسحت عيني لكي أصدق ما أراه  ، يا إلهي! هذه ليست حبات سكر ، خطوة تجر خطوة ، حتى وصلت إلى الحلقات ، تملكني شيء من الخوف ، وضعت يدي لكي امسك بها ، ثم أعدتها للوراء ، ثم حركت يدي ثانيه ، وقدمتها صوب الحلقات ، فجأه ! تراءت امامي امرأه ، يغلب عليها اللون الاحمر ، ثيابها حمراء طويله ، ووشاحها احمر منسدل على كتفيها ، عنقها مكشوف ، وعينيها سوداوان ، في اذنها حلق ذهبي طويل ، وقامتها معتدله .

رمقتني بعينها لوهله ، ثم شدت يدي الى عالمها ،    لا تخافي ، انا لن اؤذيك  ، تعالي ساكرمكي ساعطيكي ، كانت ملامحها ممتلئة بالخير ، لم يبدو عليها الشر أبدا  ، ملت إليها، في رحله طويله .

بدأنا نسير الى جانب بعضنا بعضا ، كان صوت خلخالها اشبه بجرس المدرسه يحرك الجميع ، يشحذ الأذهان ، كان الطريق طويل ، والشارع ضيق  ، لم تكن الزهور على جانبي الطريق ، كان الشوك يلم المكان من أطرافه ، كانت السحالي كثيره ،و المكان حار جدا ، تعيش فيه ذوات الدم الحار ، الى اين المفر ، لقد أتيت بإرادتي ، ليكون ما سيحدث .
بدأت الرمال تخلخل أصابعنا ، وصرنا ننثر التراب ، وتعالت اصوات ضحكاتنا  ، كأننا اطفال صغار ، كانت الارض اشبه بصحراء  ، كانت المغارات بيوت لسكانها ، والطير اكل لهم ، وحليب النعاج حسائهم  المعتاد ، في وسط المكان اجتمعت كومة من الحجاره اشبه بصخره صغيره ، جلسنا عليها ، التصق ظهري بظهرها  ، ارحنا أجسادنا قليلا ، بدأت تقص علي قصص أقرب للخيال  ، وأنا بين مصدقه ومكذبه . 
                        
أخبرتني عن ترحالها في الصحاري المظلمه لأجل لقمه العيش ، كانت تذهب لحصاد القمح في النهار وتعود ليلا ، في يوم من الأيام  ، أرسلها أبيها لتحلب النعاج ، كانت المسافه بين بيتها والنعاج بعيده ، حلبت النعاج وهي في طريقها للعودة ، لحقتها افعى طويله جدا ، لونها ابيض كشبح ، لها أجنحه تقفز وتطير ، ورائها ، تصدر صوتا كصوت البوق ، ارتعبت المرأه الغجريه رعبا شديدا ، لم تدري ماذا تفعل ؟ بعد لحظات قليله أتى فارسا شجاعا يمتطي فرسا ذهبيا ، شطر الأفعى الى نصفين بسيفه المسلول ذو الاسنان الحاده .

أعجبت المرأه ببطوله الفارس ، وما أن نظرت إليه
سريعا ، كانت على ظهر الفرس برفقته ، أصر على إيصالها بيتها  ، وحرص الا ترى مكروها حتى تحط رحب بيتها باطمئنان، نزل الفارس عن فرسه ، مد يده للمرأه ، أعطته يدها ، لقفها كطير لقطعه خبز
صغيره ، كان بيتها مغاره مرصوصه من الحجارة ، بداخلها حصيرة دائريه مصنوعه من القش ، على سقف المغارة ميداليات من القش ، بعضها زخارف لطيور الصحراء ، والبعض الآخر رموز لأبطال الصحراء ، الذين دافعوا عنها ضد الوحوش الغريبه التي كانت تلاحق الصحراء وقت ذاك ، وقرن غزال رمز لحمايه مساكنهم واهلها ، لم يكن الفارس مندهشا ؛ لا تخلو مغاره في الصحراء دونها ،.. نادى ، يا عم ، أتى الوالد مسرعا غضبانا ، قال من أين أتيت في هذا الليل ، ألم ترى أن الظالم حالك المكان ، وانا رجل ليس لي اولاد ، وأرسلت ابنتي إلى بيت عمتها ؛ لتلعب مع رفيقاتها، فهي مشتاقه لهن ، كانت المرأه تغطي وجهها طوال الطريق ؛ حتى لا يعلم أهل القريه عنها ، وتكثر الشائعات والواردات ، كيف لفتاه في العشرين من عمرها ، تركب جانب فارس أعزب وهي عزباء ، الله أعلم ، وتكثر الظنون والسيئات ، امتعض الفارس من كذب الرجل ، وتنحنح قائلا : الظلام حالك عليك ! أما على تلك الفتاه فهو شمس مشرقه ، أليس لديك خوف عليها ؟ أليست ابنتك ؟ كيف ترسلها وحدها الى تلك البقعه البعيده ؟ ولأجل ماذا لأجل حليب نعاج ؟ ألا تستطيع الانتظار حتى الصباح ؟
أأنت جائعا الى هذا الحد ؟ إلى حد أن تكون ابنتك فريسه الصحراء ! .

تلعثم الرجل قائلا : ومن أين تعلم ابنتي؟ ، وقتها ، كشفت الفتاه الغجريه عن قدها الوسيم ، ثم قالت : أبي ! ..وأنا في طريقي للعود أنقذني هذا الفارس الشجاع بيده الكريمه وبسيفه القوي قطع أفعى كبيره ، ظننتها وحش غريب ، يا له من رجل مقدام لم يخف منها ، تقدم نحوها كأسد ، كان خوفه علي كأني من دمه ، ياله من إنسان .

طأطأ الرجل رأسه ذليلا ، والخشية على وجهه مرسومة ، قائلا : أنا آسف يا ولدي ، لم يكن ثمه شيء نأكله ، وأنا رجل ضعيف البنيه ، لا أستطيع المشي بعيدا ، وأنت تعلم أن أهل القريه بخلاء جدا ، لا يطمعونك حتى قشا ، هااا واضعا كلتا أصبعيه على فمه ، معبرا عن مدى الحسرة  ،
ثم ارتجف قائلا : سامحيني  يا ابنتي ! لم يكن بوسعي أن أعطيك ، فأرسلتك لنعيش بزاد قليلا ،
قالت الفتاه : لا بأس يا والدي ألا أعلم حال من رباني ، وأنا أمكث معك طوال الوقت ، لا حرج عليك يا أبي!
رمق الفارس الفتاه بعينيه الحالمتين ، قائلا في سره : يا لأدبها ، وبعد لحظات قليله ، عرض الوالد على الفارس أن يحتسي فنجان قهوة ، تعبيرا عن شكره له ، لم يرفض الشاب أبدا ، سارعت الفتاه في إحضار القهوة العربيه ، ذي الرائحه الزكيه ، أخذها بحب ، رشفها رشفه واحده ، كان على عجله من أمره ، يريد اليد التي شرب منها القهوة  ، يد كريمه معطاءه ، دافئه بين طياتها وحنانها ، تحمس قائلا : لقد لفتني أدبها الجم ، وحنانها عليك ، هلا زوجتني إياها ، وكانت لي عونا على هذه الحياه .

تردد الوالد قائلا : أتتركينني يا ابنتي ، على الأقل تذهبين مع رجل سيحفظك كلؤلؤة مكنونه لن يسمح لأحد بأن يؤذيك ، وهذا كاف لأطمئن عليكي .

أسرع الفارس قائلا : وهل يطوعني قلبي بأن أتركك وحدك ستأتي معنا على أية حال ، أنت مثل أبي رحمه الله ، وهل ينسى الورد الذي نبتت منه هذه الزهرة وحده ؟
ضحك الرجل مستبشرا بموافقه ابنته ، .. وافقت الفتاه .

توقفت المرأه برهه ؛ لترتوي الماء ، من بئر قريب ، وأثناء سيرنا على مضض ، أدليت عليها قائله : لم أكن أعلم أن للصحاري أسرار وحكايات ، اتسع ثغرها ضاحكا ، وهل علمت الآن ؟ لازال هناك
متسعا من الوقت لأخبرك المزيد من الحكايا .
قاطعتها هلا تعرفنا ؟ سارت أمامي ، خطوتان ، ومازالت أمامي ، تشوقني لها ، تنظر ثم تبتعد ،
حتى استدار وجهها كالبدر قائله : اسمي جنار .
وأنت ؟ قلت : مجدل . هتفت جنار : يا له من اسم
جميل !
هيا سأكمل ؛ لتسمعي يا فتاه ، قلت بحماس: نعم سأفعل .

تزوجت أنا وروجيندا ، شمسي المشرقه ، نهاري الدافي ، رحلنا بعيدا ، إلى بيت جديد ، أول المدينه ، لم أكن أعلم أحدا ، لكنه كان ، فالبيت بيته والحي أهله ، كان كل شيء غريب ، كأنني أتيت بلا
موعد ، إلى زياره غرباء .

على جوانب البيت ، شجر نخيل ، سقوفه عاليه ، كان تصميمه أشبه ببيوت المدينه .
عاش فارسي يتيما وحيدا ، يغامر كثيرا ، حيث تكثر لصوص الصحراء ، يطوقهم بسيفه ، ويقضي عليهم ، كان أقوى من أن يتراجع عنهم ، لم يرضى الا أن يعلمهم درسا .

بت له يدا أخرى ، هو ينسج الحرير ، وأنا أحيك منه أثوابا زاهيه ، فأنا أكثر درايه بما يعجب النساء .
نساء الحي ، حكايه أخرى ، أشر نساء الارض منزله ، أي فتاه حديثه الزواج ، غريبه عنهم ، وعن حيهم ، يقترفن حولها جميع الدسائس ؛ حتى يخرجنها ، أو يودين بحياتها .

في يوم من الأيام ، أتين لزيارتي ، أكرمتهن أكراما ،
وأحسنت إليهن إحسانا ، قلن لي هل صنعت الغذاء ؟ قلت : ليس بعد . قلن : فلنصنع الغذاء معا
بدأنا نقطع اللحم ونغسل الخضار وننقع الأرز ، حتى حان موعد الغذاء ، حضرنا الأواني لنسكب الطعام ، أثناء التقديم ، حاولت أحداهن سحبي في الكلام ، أخبرتني عن زوجها الغبي ، أنه ذات يوم كسر كاسه زجاجيه ، وضعها في التراب ، خوفا من علم زوجته بكسرها ، كنت بريئه جدا ؛ فرحت بحديثها المسلي ، كل هذا حتى تضع المرأه الأخرى السم في الطعام ، سحبنا الطاوله ، صعدت الى سطح البيت ، حتى أجلب المزيد من الكراسي ، فردت الأواني الممتلئه على الطاوله الرفيعه ، قالت إحداهن هذا الصحن لكي لأننا لا نحب البهارات ، بغته ، والنساء يأكلن ويقهقهن بالحديث ، أمدت الطفله الصغيره يدها على صحني ، أقتضمت اللقمه الاولى لم أمنعها ، لم تنتبه النساء لها ، أنشغلن بالحديث ،
وسرعان ما ابتلعت اللقمه الاولى تورمت شفتاها ، وانتفخ وجهها ، صرخت قائله : أمي إنني أختنق !
ضربت الام ابنتها على يدها ، ألم أقل لك لا تلمسي ذاك الاناء ؟ عرفت حينها أن الزياره خديعه كبيره ، وأن موتي هو المراد ، ولكني صمت ، ففاجعه الطفله ، غطت الأمر .

ماتت الفتاه ، خرجن النساء من بيتي منوحات باكيات ، يضربن أنفسهن مرارا وتكرارا ، ذهبنا جميعا للعزاء ، نواسي المرأه قليلا ، سلمت عليها النساء ، عظم الله أجركم ، لم ترد على أيه واحده ، وعندما أتى دوري لأسلم ، انهالت علي بالضرب قائله : أنت السبب لو لم تأتي أيتها الغريبه ؛ لما تشتت جمعنا ، وما فقدنا أحدنا ، أذهبي بعيدا أيتها الغريبه ، رجعت إلى الوراء محترقه منهارة ، كان كلام المرأه يوخز في صدري إبر حاميه ، مع أنني لم أكن سببا في موت ابنتها ، كنت كريمه جدا ، لكن الذئاب كثيرا ما تلقي لوما على الفريسه إذا لم تستطع صيدها.

بعد أسبوعا من العزاء ، أتى والد الفتاه إلى البيت ، لم يكن روجيندا في البيت ، دق الباب بهدوء وسكينه ، قلت من الطارق ؟ قال أنا رجل أتيت من طرف زوجك ، لقد أرسل معي تلك المونه ، لأن لديه عملا كثيرا ولا يستطيع المجيء ، قلت : هات ، فتحت الباب ، ألقاني أرضا ، إياكي أن تصدري صوتا والا قتلتك ، أين ابنتك ، كانت فتاتي في الثالثه من عمرها ، جميله وقصيرة ، شعرها اسود داكن وعيناها خضراوان كعيني أبيها .

- هاتيها بسرعه .
- ارتعشت قائله : ولماذا تريد ابنتي بصفتك من ؟
لطمني بيده الخشنه ، قائلا : كما وضعت السم
لابنتي ، ساحرمك من ابنتك ، وستصبح ابنتي .
- أي اعتراض ، سيكون موتك هنا .
- أنا لم أفعل شيئا ، أرجوك سيدي ، دع لي ابنتي...
- مستحيل
- قلت من كذب عليك ، أنا امرأه صادقه ، لا أعرف الغش ولا الاحتيال .
- اخرسي ، شدها بعيدا ، إلى مكان لا أعلمه . لم يكن بوسعي أن أفعل شيئا ، فقد توفي والدي ، وزوجي غائب عني ، لا أعلم أراضيه.
ربطني على عمود في البيت ، ورحل .
بعد عده ساعات ، عاد روجيندا ، صرخت عاليا ، ولكن صوتي لا يخرج بالكاد ، عرف روجيندا أنه ثمه خطب ما ، كسر الباب بجسده المتين ، ذي العضل المشدود .
- جنار من فعل بك ذلك؟ صدقيني لن أتركه .
- أخبرته الحكايه من البدايه ، حتى ذهاب ابنتنا.
لم يترك مكانا ؛ باحثا عن ابنتنا لم يجدها ، ذهبت من عندنا ، كسراب .
في ربيع تلك السنه ، ذهبنا لنشتري من سوق الحرير ، في بلده اسمها ضوء النهار ، كان نهار تلك البلده أطول من ليلها بكثير ، كان النرجس على سبيلنا ، ينثر رائحه عطره ، كان خبز تلك البلده طري لذيذ ، رائحته تشدنا من بعيد .
أثناء سيرنا ، قطع علينا السبيل ، مجموعه من الرجال ، أرادو أن يسرقوا من المال ، لم ندر ماذا نفعل ، كانوا رجال أقوياء ، أكتافهم عريضه  ، وجوههم توحي أنه لا مفر .

أرتفعت الفرس الاصيله بفارسها ، رافسه للرجال ، أنكبوا على الأرض جميعهم ، قبل روجيندا فرسه الاصيله .
عدنا نعمل من جديد ، .. لم ننسى ابنتنا كنا نشعر أنها جانبنا طوال الطريق .

ذات مساء ، في نفس البلده ، رأينا امرأه على تله صغيره ، ترسل الطير ، بعيدا ، ثم يعود  ، فترسله
مرارا وتكرارا .
أقبلنا عليها مسلمين ، كانت امرأه طيبة ، ردت علينا السلام ، عزمتنا على العشاء ، رحنا ، كان العشاء حساء لذيذ من الفطر والخضراوات .
سألناها عن قصه الطير ، أجابت : ان الطير رفيقها المطيع ، أينما ترسله يذهب ، وبما تأمره يلبي ذلك الأمر .
كان حدس المرأه عالي ، كان تشعر بالأشخاص الطيبين ، فترسل إليهم إشارات حب أو دلالات خير ، من خلال حبات السكر في أفواه الطير ؛ فيلقيه على عتبه تلك الناس ، وكان يأتي إليها الناس طالبي النجده ، فتدلهم على أماكن أو أشخاص ، بهم الخير ، ونحن ذهبنا إليها لنسألها ؛
ربما تساعدنا في العثور على ابنتنا .
قالت المرأه : لا أستطيع توقع أين ابنتكما بالضبط ؛ ولكن حدسي أن تكون في تلك البقعه من الأرض ، صارت المرأه تثبت حبات السكر في أفواه الطير  ، حتى يلقيه على تلك العتبه ، التي توقعت بأن أصحابها يعلمون شيء عن تلك الفتاه ، وأخبرتنا أيضا بأن حبات السكر تسيطر على المكان بعد ساعه واحده ؛ فتجعل المكان يهتز ، وتسقط ذبذباتها على الأجهزه الكهربائية ، فتنتهي بحدوث تماس ، ثم تفتح بواباتها ، وباذن الله ستصلون لابنتكم .
سررنا كثيرا ، شاكرين للمرأه ، لكننا توجب علينا أن نأتي بك إلى عالمنا ، حتى لا يعلم أحد سر الفتاه .
عدت إلى ذاكرتي قليلا .
- نعم تذكرت ، قبل أن تأخذيني إلى عالمك ، رأيت فتاه صغيره في الطريق ، كانت تبكي بشده ، كأنها
مخطوفه ، أخذتها سياره سوداء ، لا أعلم إلى أين ذهبت .
- الحمدلله ، كان حدس المرأه صحيحا ، ضمتني إليها ، فأطالت العناق قليلا .
- قلت : عسى خيرا ، سنجدها بإذن الله .
- قالت : الآن سأذهب إلى عالمك .
ودعت الصحراء ، ورجعت لعالمي.
لكن هذه المره جنار معي !
اصطحبت المرأه معي للمكتبه ، للمكان الذي اختفت منه الطفله ، بدأ التأثر على جنار واضحا جدا .
وأثناء سيرنا قليلا وجدنا حذاءا لطفله معلق على بيت أحدهم ، صاحت : هذا حذاء جوليكار .
- قلت من ؟
- ابنتي
وصلنا لذلك البيت ، قرعنا الجرس ، من الناحيه الأخرى ، أطل علينا رجل في الخمسينيات من عمره .
- سأل الرجل : من أنتم ، وماذا تريدون ؟
- أخبرناه .
- أشار علينا : تفضلوا .
- السلام عليكم .
- وعليكم السلام .
- سيلين تعالي إلى هنا .
أتت الفتاه .
- أمي .
- ابنتي .
- اين كنت ؟
- كنت أبحث عنك ، حتى وجدتك ، الحمدلله حمدا كثيرا .
ضمت الأم ابنتها كل مشتاق لبعضه ، آه يا ابنتي أبعدك رجل لئيم عني ، أخذكي رغم عني ،
سامحيني يا ابنتي .
- قاطع الرجل جنار قائلا : لقد باعني إياها رجلا في الأربعين من عمره ، حدثني بأنها يتيمه وجدها على جانب الطريق ، لو كنت أعلم أنه كذابا ، لما اشتريتها ، وأعدتها إلى أهلها سالمه غانمه .
- سامحيني يا امرأه ..
- لا عليك  ، يبدو عليك رجلا حسنا ، شكرا جزيلا ، على إحسانك لها .
- قال ثانيه : في البدايه ، ظننت أن الفتاه تكذب ، حينما تقول أريد أمي ، كانت تبكي لا تريد الذهاب معي ، لقد بكت كثيرا حتى اغرورقت عيناها بالدموع .
- لندع الماضي ، أتمنى لك الخير ، لن أنساك من دعائي .
- مع السلامه .
- في أمان الله .
فارقتني جنار قائله ، أنت نعمه من الله ، وضعك في طريقي ، لألقى جوليكار ، سررت برفقتك ، حفظك الله .
- والآن دعيني أعود لعالمي ، لكنني لن أعود إلى نفس البيت ، سأذهب أنا و روجيندا إلى صاحبه الطير ، إنها امرأه طيبه  ليس لديها أحد ، غير أن بلده ضوء النهار ، أصحابها كرام ، وهوائها نقي ، ليس بها آثار الحرب والدماء .
- قلت : لها مع إنني أحببتك ، وصرنا صديقتان ، إلا أن قرارك هو الصواب ، أنا لا أستطيع العيش لعالمك ، وأنت أيضا ، ستشتاقين يوما إلى عالمك ، سأفتقدك كثيرا .
- وداعا .
- وداعا .
رجعت إلى بلدي ، إلى بيتي ، إلى غرفتي الهادئة ، بعيدا عن كل هذا الضجيج ، عن هموم البشر ، ووحشية الكائنات .
عندما يتخيل الانسان نفسه في عوالم الكتب ، يرى نفسه سعيدا ، لكن في أحيانا كثيرا لا يكون ذلك في الواقع ، وهذا ما عايشته في أسرار الصحاري والغجر .
في لحظات قليله ، قرع جرس الباب .
- من الطارق .
- أنا وسام .
فتحت الباب.
أهلا وسهلا !
- أين كنت ؟ قلقت عليكي !
- إنها قصه طويله ...
ولكنني أخبرته .
صدقني ، ثم قال: يا ترى من أجمل عالمنا أم عالمهم ، قلت له : لا أعلم ، لكنني أفضل أن أعيش في وطني بخير وسلام ، على أن أخاطر في أماكن مجهولة ، لا زلت لا أعرف عنها الكثير .
- معك حق .
- هل وجدت أزكى من أكل بلادي في الغربه ؟
- لا .
وهل وجدت أطيب من أهلها ؟
- لا .
وهل هناك بحر يضاهي جمال بحر يافا .
لا مثيل ليافا ، بحرها ، وبرتقالها.
وهل وجدت مكانا ، تفيض إليها روحك أكثر من القدس ؟
- لا .
- هيا معي اذا يدي على يدك ، على هذه الأرض ما يستحق الحياة .

 💜المؤلفه حنين 💜

Post a Comment

أحدث أقدم